عبد الملك الجويني
525
نهاية المطلب في دراية المذهب
ثم ننظر : فإن أُرق الحربي ، ولم يغنم ماله ، فحق المسلم في عين ماله ، والرق بمثابة الحجر ، أو بمثابة الموت في المسلم المديون عليه . حتى لو ظفر به المسلمون وأخذوه - يعني المال - بعد تعلق الدين به يُقضى الدين من ذلك المال . ولو غُنم أولاً ، ثم سبي ، أو غنم المال معه ، فحق المسلم الغريم في ذمته ، يتبعه بعد العتق . ولا يُقضى من عين المال ؛ فإن المال إن غُنم قبلُ ، فلا شك أن الدَّيْن لا ينعكس عليه ، وإن غُنم المال معه ، فقد تعقق ملك الغانمين بعين ماله . وحق صاحب الدين إن كان في الذمة [ فالحق ] ( 1 ) المتعلّق بالعين مقدّم على المتعلّق بالذمة ؛ ولذلك قلنا : إذا جنى العبد المرهون يقدم حق المجني عليه على حق المرتهن ؛ فإن موجب الجناية لا يتعلق بذمة المولى ، فكان تعلقه بالعين أقوى من تعلّق الرهن به . وعندنا إذا غُنم ماله ، ورَق ، فالملك في الغنيمة سابق على جريان الرق إن كان المأسور رجلاً ، فإن الرق [ يُضرب ] ( 2 ) بعد الأسر ؛ فإن كان كذلك ، فلا إشكال . وإن فرض الكلام فيه إذا أسر أولاً ، ثم غنم المال مع إرقاق الإمام ، أو وقع الفرضُ في المرأة تسبى مع مالها ، فيحصل الرق والاستيلاء على الغنيمة معاً ، فليس يبعد على القياس تعلّق الدين المحترم بالمال في هذه الصورة ، قياساً على ديون التركة ، مع حقوق الورثة ؛ فإن حق الورثة يتعلّق بعين التركة ، والدين يتعلّق بالتركة في الوقت الذي يحصل الإرث فيه ، ثم قُدِّم الدين ، فلا يبعد أن يكون الأمر كذلك فيما نحن فيه . وهذا متجه جداً . وما قدمناه من الاستشهاد بجناية العبد المرهون كلامٌ مُخيلٌ ظاهره ؛ فإنا إنما قدّمنا حق المجني [ عليه ] ( 3 ) كما نُقدّم حقَّ المجني عليه على حق مالك العبد ، إن صدرت الجناية من غير إذن السيد ، ولا يزيد حق المرتهن على حق
--> ( 1 ) في الأصل : " والحق " . ( 2 ) في الأصل : " تصرف " . وهو تصحيف قريب المأخذ . والمعنى أن الرق لا يكون في الرجال بمجرد الأسر ، بل يضرب عليهم بعد ذلك . ( 3 ) زيادة اقتضاها السياق . ومعنى العبارة : أننا قدمنا حق المجني عليه على حق المرتهن ، كما تقدم حق المجني عليه على حق مالك العبد .